إبراهيم العريس يكتب عن ” وليامز” و صدام بين «حضارة» أميركا و «تاريخ» أوروبا

wpid-wp-1398304889666.jpeghttp://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/1944927

J

النجاح» لويليامز: صدام بين «حضارة» أميركا و «تاريخ» أوروبا

النسخة: الورقية – دوليالخميس، ٢٤ أبريل/ نيسان ٢٠١٤ (٠١:٠ – بتوقيت غرينتش)

اذا كان النقاد الانكليز بدأوا، على عكس زملائهم الأميركيين، متأخرين جداً اهتمامهم بالشاعر والكاتب الأميركي ويليام كارلوس ويليامز، وأخذ أدبه وشعره مأخذ الجدية، فالواقع ان كتّاباً انكليزيين كباراً كانوا منذ النصف الأول من القرن العشرين اكتشفوا أشعار ويليامز وأعطوها مكانتها. ومن بين هؤلاء، مثلا، د. ه. لورانس الذي اعتبر ويليامز رائداً من رواد الحداثة الأدبية في القرن العشرين، منذ قرأ مجموعاته الشعرية الأولى خلال الربع الأول من القرن المذكور. غير ان ما لا بد من قوله هنا هو انه، اذا كان ويليامز برز في اشعاره التي انتقل فيها من النزعة «الصورية» الى النزعة «الموضوعية» وفق تعبيره، ولا سيما عبر عمله الأكبر والأشهر «باترسن» (1946-1958)، فإن أعماله النثرية لم تحظ ابداً بالتقدير الذي حظيت به أعماله الشعرية، علماً أنه كتب الشعر والنثر، وكتب في النقد وفي السياسة، وكان حاضراً بقوة في كل تظاهرات الحداثة. ومن الصعب ان ينسى أحد نصه المميز الذي كتبه، مثلاً، عن فيديريكو غارسيا لوركا، اذ كان ويليامز، أيضاً، واحداً من أبرز الذين عملوا على تقديم الآداب الأوروبية الى القارئ الأميركي. ومن بين أعمال ويليام كارلوس ويليامز النثرية، يمكن هنا التوقف عند روايته «النجاح» أو بحسب عنوان آخر اشتهرت به «البناء») التي صدرت للمرة الأولى في العام 1952، على رغم ان ويليامز كان كتبها – كما يبدو – قبل ذلك بكثير. وهذه الرواية هي العمل الروائي الوحيد الذي صاغه قلم هذا الكاتب الذي، في المقابل، كان يكتب القصة القصيرة والمتوسطة، الى درجة أنه أصدر مجموعات كثيرة في هذا المجال.

> من المؤكد، وفي اجماع النقاد والباحثين، ان «النجاح» لا يمكن اعتبارها من أفضل أعمال ويليامز، بل إن ثمة من استند الى عادية مستوى هذه الرواية لكي يقول ان ويليامز اذا كان خلق ليكون شاعراً، فإنه ابداً لم يخلق روائياً. ومع هذا، فإن في «النجاح» من الأبعاد وتضافر المواضيع ما يجعلها بحق خير معبّر عن مسألة اندماج المهاجرين الآتين من أوروبا، في الحياة الاجتماعية الأميركية، في ذلك الزمن المبكر من القرن العشرين الذي كانه العقد الثاني من ذلك القرن، أي الزمن الذي تكوّنت فيه جملة المواقف والافكار حول مسألة الهجرة، ولا سيما على ضوء أول صدام بين «الحضارة الأميركية» و «التاريخ الأوروبي». ولئن كان هنري جيمس – الذي يفوق ويليامز قيمة روائية في شكل لا ريب فيه – قد عبّر عن الصدام بين أميركا وأوروبا، من خلال ابطاله الأميركيين المتوسطين الذين كان يرسلهم الى أوروبا، بحثاً عن جذورهم، ثم يروح راصداً تغيّراتهم، فإن ويليامز، في روايته الوحيدة، فعل العكس: رصد أوروبيين متوسطين وصلوا الى القارة الجديدة، وعاشوا وعملوا فيها، وها هو كاتبنا يقيس مدى تأثير الصدمة فيهم.

> تدور أحداث الرواية حول أسرة ستيشر، المؤلفة من أب ألماني الأصل وأم ذات أصل نروجي. أما زمن الاحداث فيمتد على مدى السنوات الفاصلة بين أول القرن، والعام 1916. الأب في الرواية هو في الأصل مهاجر تمكّن بعد مبارحته وطنه الاصلي ألمانيا، من النجاح في حياته الأميركية حيث أنشأ مطبعة في وطنه الجديد، وسارت أعماله على ما يرام. وهو يمضي الجزء الأول من الرواية من دون ان يهتم اهتماماً كبيراً بكونه ذا أصل ألماني… وفي المقابل، فإن الزوجة لا تكف عن ابداء فخرها بأن جدودها كانوا من الفايكنغ، الذين بنوا صرح الحضارة في الشمال الأوروبي ثم غزوا الكثير من المناطق، كما وصلوا في سفنهم، الى القارة الأميركية قبل ان يصل اليها الآخرون، بحسب ما تفيدنا السيدة إستناداً الى بعض الفرضيات التاريخية التي لم تكن واضحة في ذلك الحين. غير ان هذا الارتباط بالجذور، وعلى عكس ما كان يمكننا ان نتوقع، لا يمنع السيدة من ان تحاول، بكل طاقاتها، الاندماج في المجتمع الأميركي، اذ ترتبط بالكثير من الصداقات، وتحتفل بكل ما يحتفل به الاميركيون من أعياد ومناسبات، وتدخل عضواً في عدد كبير جداً من النوادي والجمعيات. وهي اذا كانت في الحوارات المنزلية تفرط في الحديث عن الفايكنغ، فإنها تبدو أكثر تحفظاً في الحديث عنهم في الخارج. وفي المقابل، فإن الزوج الذي لا يتحدث كثيراً عن ألمانيا… بل إنه لا يبدو حريصاً على أي حديث على الاطلاق، سنجده ما إن تطل الحرب العالمية الأولى وتقوم فيها المجابهة العسكرية بين أميركا وألمانيا، حتى يعبر تماماً عما كان في الماضي مكبوتاً في داخله: حبه الشديد لألمانيا وتعلقه بها. ان جون ستيشر، كما يتكشف لنا عندئذ، ألماني حتى النخاع، ويكاد لا يريد شيئاً من «وطنه» الأميركي الجديد، باستثناء النجاح المادي والاستقرار. اما فؤاده فهو هناك بعيداً في ألمانيا… غير ان ما لا بد من رصده هنا هو ان جون ستيشر في تلك الآونة يكون أصبح عجوزاً متعباً آن له ان يتقاعد بعدما حقق كل النجاح المالي والاجتماعي. ومن هنا يبدو موقفه المنحاز الى ألمانيا مجرد ثرثرة لا طائل من ورائها. بل إنه يعبّر غير مرة عن واقع انه لو سئل ما اذا كان يريد ان يعود الى ألمانيا ليعيش فيها اذا ما انتهت الحرب، لجاء الجواب: ابداً!… فهو نجح هنا ويريد ان يبقى هنا. وفي الوقت نفسه لا تكف كورلي زوجته عن الارتباط بأعيان المدينة الصغيرة التي يعيشون فيها، معبرة في كل لحظة عن أن فخرها بالجدود الفايكنغ هو حنين لا اكثر الى ماضٍ لن يعود. اذاً ها هي كورلي بدورها، ترى ان ارتباطها بماضيها وجذورها ليس أكثر من نزعة عاطفية. فالأساس الآن هو هذه الحياة الجديدة الناجحة التي تعيش، وحتى من دون ان تقول لنا ما اذا كانت سعيدة حقاً في هذه الحياة. فالواضح ان كورلي ستيشر صارت من ذلك النوع من الناس الذين يؤثرون الراحة على السعادة، والواقع على الحنين الى الماضي: لقد عرف هذا المجتمع الأميركي الجديد الذي يعيشون فيه، كيف يصهرهم في بوتقة المكتسبات الصغيرة، حوّلهم الى طالبي نجاح بأي ثمن. أما العودة اللفظية الى الجذور فليست أكثر من مشجب يعلقون عليه تفاعلهم الملتبس مع واقعهم. ولعل كورلي كانت خير من يعبر عن هذا، حين اعتبرت الماضي لوحة جميلة تعلق على جدار الشقة الجديدة، نتأملها بين الحين والآخر بحب وفخر، ثم ننساها اذ تصبح جزءاً روتينياً من الحياة. وهذا ما تُعلّمه، على اية حال الى الأبناء الثلاثة الذين رزقت بهم، على مدار السنوات التي تشملها أحداث الرواية: الصبي الذي سيموت وهو في الرابعة عشرة، والفتاتين اللتين بقيتا، شارلوت وفلورنس. الأولى تريد ان تصبح عازفة بيانو، لكنها سرعان ما تقع فريسة دون جوان محترف في ألمانيا حين كانت تزورها، وتتزوجه عشية الحرب. اما الثانية، فلورنس، فإن الأمر ينتهي بها الى الزواج من طبيب كان في البداية مغرماً بأختها.

> الحقيقة اننا اذا انتزعنا من هذه الرواية، ذلك التعبير الذي تعبق به عن التناقض بين نظرة الأسرة المهاجرة الى جذورها، ونظرتها الى الوطن الجديد الذي يعيش من دون جذور – وهذا جانب مهم على أية حال، كان ندر للأدب الأميركي ان عالجه في مثل هذه البساطة -، سنجد انفسنا أمام عمل عادي يكاد يخلو من اية مواقف درامية حقيقية. بل إن ويليامز نفسه، في سيرته الذاتية لم يكف عن التساؤل عما دفعه حقاً الى كتابة هذا العمل. ومع هذا، فإن «النجاح» تعتبر رواية مناخ وملحمة عائلية قوية، وتشغل مكانة على حدة في مسار ويليام كارلوس ويليامز (1883-1963) الأدبي، علماً أن ويليامز ارتبط في بداياته بإزرا باوند وه. دولتيل، وحقق منذ بداية نشره اشعاره، نجاحاً كبيراً.

Posted from WordPress for Android

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s